مهدية كلرو: التعددية ليست تهديداً بل شرط للديمقراطية

أكدت مهدية كلرو عضوة مؤتمر حرية إيران، أن المؤتمر الذي عقد في بروكسل شكل فرصة للتأكيد على أن مستقبل إيران لا يمكن أن يبنى إلا على الاعتراف بتنوع مجتمعها، وعلى الإيمان بأن التعددية ليست تهديداً، بل شرطاً لأي ديمقراطية ممكنة.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الداخلية في إيران مع تصاعد النقاشات الدولية حول مستقبلها السياسي، انعقد في بروكسل مؤتمر "بناء إيران ديمقراطية" بمبادرة من المنصة الديمقراطية الإيرانية، جامعاً شخصيات سياسية وحقوقية وأكاديمية من داخل البلاد وخارجها لمناقشة مسارات الانتقال الديمقراطي وإمكانات التغيير.

وسط هذا الزخم، شاركت مهدية كلرو، عضوة مؤتمر حرية إيران، التي قدمت رؤية نقدية حول دور المعارضة، وموقع النساء في الحراك السياسي، والحاجة إلى بناء مشروع ديمقراطي جامع يتجاوز الانقسامات التقليدية.

 

 

في هذا الحوار، نفتح معها ملفات المؤتمر، ونناقش دلالاته السياسية، وما يمكن أن يحمله من إشارات لمستقبل إيران في ظل الظروف الراهنة.

 

بدايةً، ما هو الإطار الرئيسي الذي انطلق منه مؤتمر "بناء إيران ديمقراطية" في بروكسل؟ وما أبرز المحاور التي ركزت عليها في مداخلتك، خاصة في ظل مشاركة ممثلين عن طيف واسع من قوى المعارضة الإيرانية داخل البرلمان الأوروبي؟

شكل مؤتمر بروكسل مساحة حوارية غير مسبوقة بين ممثلي مختلف تيارات المعارضة الإيرانية داخل البرلمان الأوروبي. فقد حضر عدد كبير من البرلمانيين والشخصيات السياسية، وجاء تنظيمه بمبادرة من "المنصة الديمقراطية الإيرانية" وبدعوة مفتوحة لمختلف الأطياف السياسية، في محاولة لتجاوز نمط اللقاءات السابقة التي كانت تُعقد غالباً ضمن مجموعات متقاربة أو ذات هوية قومية أو سياسية واحدة.

الميزة الأبرز لهذا المؤتمر تمثّلت في جمع طيف واسع من الحركات والقوميات الإيرانية ضمن إطار واحد؛ إذ شارك في إحدى الجلسات ممثلون عن التركمان والبلوش والأتراك والكرد، إلى جانب مجموعات أخرى تنتمي إلى جغرافيا إيران المتعددة. هذا التنوع منح النقاشات عمقاً إضافياً، وفتح الباب أمام مقاربة مشتركة لمستقبل البلاد.

وخلال الجلسات، طرحت رؤية واضحة لمستقبل إيران تقوم على المساواة القانونية بين جميع المواطنين، دون تمييز أو تهميش لأي فئة، سواء كانت نساءً أو أقليات عرقية أو دينية. وقد شدّد المشاركون على ضرورة أن تكون هذه المبادئ جزءاً من أي مشروع سياسي يطرح على قادة المعارضة وأعضاء البرلمان الأوروبي، باعتبارها الأساس لبناء دولة ديمقراطية جامعة.

كما تناول المؤتمر بإسهاب قضية التعددية السياسية والفكرية، وهي مسألة لطالما أثارت جدلاً واسعاً بين التيارات المختلفة. ورغم التباينات في المواقف، بدا واضحاً أن مفهوم التعددية حظي هذه المرة بنقاش أكثر انفتاحاً، إلى جانب بحث مفهوم "قوة التغيير" وإمكانات إعادة تشكيل بنية السلطة في ظل الأزمات المتفاقمة داخل إيران، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية وتدهور ظروف المعيشة.

وفي المقابل، برزت تحديات حقيقية أمام هذا الطرح، أبرزها رفض بعض الجماعات الدينية والسياسية لمبدأ التعددية، ما يعقد مسار الحوار ويطرح تساؤلات حول قدرة المعارضة على صياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد.

 

في ضوء هذه النقاشات كيف يمكن أن يصبح مسار التغيير والتحول في هيكل السلطة ممكناً في مثل هذه البيئة؟

إن القضية التي نواجهها الآن هي قضية "توازن القوى"؛ سواء داخل صفوف المعارضة في الجمهورية الإسلامية، أو داخل هيكل الحكم، أو على الصعيدين الداخلي والدولي. هذه قضايا بالغة الأهمية لا يمكن تحليلها بتبسيطات فردية، كفكرة أن الجمهورية الإسلامية ستُدمر بالحرب أو الضغط الخارجي فقط؛ فكما أظهرت تجربة المفاوضات والجهود السابقة، لم تُثمر هذه المقاربات عن نتائج.

بصفتي عضواً في المجلس المركزي لمؤتمر حرية إيران، أكدتُ في هذا الاجتماع على ضرورة الاعتراف بهذه التوازنات. وهذا يعني أن بإمكان كل فصيل سياسي استخدام قدراته وسلطته بشكل مستقل لمواجهة بنية القمع، ولكن من الواضح في الوقت نفسه أنه لا يملك أي منها القدرة على التغلب على هذه البنية بمفرده.

لذا، بدلاً من أن يُنظر إلى هذا التعدد السياسي على أنه نقطة ضعف، كما توحي بعض التيارات الوسطية أو حتى بعض المقاربات المتطرفة الأخرى، ينبغي اعتباره ميزة. بمعنى آخر، يمكن للاختلافات والتنوع في صفوف المعارضة، إذا ما اجتمعت معاً وتضافرت جهودها، أن تُحدث أثراً أكبر.

إذا تضافرت القوة المحلية والقدرات الدولية وإمكانيات التفاوض السياسي، فإن هذا التضافر قادر في نهاية المطاف على تعزيز موقف المعارضة في ميزان القوى هذا. في رأيي، نادراً ما شهدنا مثل هذا المستوى من الحوار والتعاون خلال العقود الأربعة الماضية، وما نشهده اليوم في بعض الاجتماعات، بما فيها هذا المؤتمر في البرلمان الأوروبي، يحمل رسالة هامة مفادها أن التعاون والاستفادة من الخبرات المتبادلة أمران ممكنان، ويمكنهما المساهمة في زيادة فعالية هذه الحركات. كما طُرحت قضية الحرب في هذا الاجتماع، فكانت معارضة الحرب إحدى النقاط الرئيسية للنقاش.

في ظل هذه الظروف، يبرز التساؤل حول الحلول الممكنة لإحداث تغيير في إيران، بالنظر إلى الوضع الراهن والسياسات السائدة واستمرار قمع المعارضة، بما في ذلك اعتقال المتظاهرين والناشطين المدنيين. وقد أصبح المناخ العام آمناً إلى حد كبير، لكن في الوقت نفسه، ثمة مخاوف بشأن تداعيات الحرب، ويعتقد البعض أنه مع ازدياد التهديدات الخارجية، تتزايد احتمالية القمع الداخلي.

وفي هذا الإطار، تم النظر أيضاً في مسألة معارضة الحرب، ويثار التساؤل حول كيفية فعالية هذا النهج عملياً في حل الأزمات القائمة في إيران وتمهيد الطريق للتغيير السياسي.

يُعدّ رفض الحرب أحد أكبر التحديات التي تواجه معارضي الجمهورية الإسلامية، لا سيما في الأسابيع والأشهر الأخيرة. وقد برزت هذه القضية بشكل أكبر خلال العام الماضي، إذ يعارض الكثيرون ممن يعارضون الحرب أيضاً نظام الشمولية والقمع الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية.

في هذا السياق، كانت إحدى القضايا المهمة التي أثارها عدد كبير من المتحدثين في البرلمان الأوروبي هي ازدواجية "المعارضة المتزامنة للحرب والمعارضة للجمهورية الإسلامية". إلى جانب ذلك، تم التركيز على إعادة النظر في القيم والمُثل التي تشكلت في إطار حركات مثل "المرأة، الحياة، الحرية"؛ قيم كالتعددية والمساواة والعدالة، والتي أكد بعض المتحدثين على ضرورة العودة إليها وتعزيزها. وبناءً على ذلك، طُرحت فكرة أنه من الممكن في آنٍ واحد معارضة أي عنف وحرب، ومعارضة الأنظمة الاستبدادية والطاغية؛ أي اقتراح نهج "لا حرب ولا جمهورية إسلامية".

في الوقت نفسه، ثمة رأي يدعو إلى إجراء تحليل أكثر تفصيلاً لطبيعة الحرب ودور مختلف أطرافها. من هذا المنظور، يعتقد البعض أن الجمهورية الإسلامية متورطة أيضاً في الصراعات والتوترات الإقليمية في إطار سياساتها، وفي الوقت نفسه، تُعرف قوى أخرى، كإسرائيل والولايات المتحدة، بأنها جهات فاعلة مُحرضة على الحرب، تستخدم أدوات الحرب والضغط في المعادلات الإقليمية.

 

في سياق النقاش حول الحرية والتعاون وإمكانات التغيير، طُرحت فكرة "العودة إلى القيم" باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء المجال السياسي والاجتماعي في إيران. ما المقصود اليوم بهذه العودة؟ وكيف بإمكانها أن تسهم في تخفيف الانقسامات وخلق مساحة للحوار والتعايش، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتوترة في طهران وسائر المدن؟

لطالما نُوقشت قيم "المرأة الحياة الحرية" وإنجازات تلك السنوات. لكن الأهم اليوم هو العودة إلى تلك القيم وإعادة تفسيرها في ضوء الوضع الراهن. في رأيي، من أبرز سمات هذه الحركة أنها لاقت صدىً واسعاً في كردستان وأذربيجان وطهران، بل وتضامنت مع نضالات مناطق أخرى، بما فيها فلسطين. كان هذا التناغم والتزامن غير مسبوقين منذ الثورة الدستورية، إذ لم تنبع قوة التغيير، ولأول مرة من المركز فحسب، بل من الهوامش ومن تجارب الشعوب المتنوعة.

استطاعت انتفاضة "jin jiyan azadî" بمطلبيها الأساسيين، وهما الحرية وحقوق المرأة، أن توحد قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني. لم يقتصر الأمر في هذه الحركة على مجرد طرح المطالب، بل تشكلت إرادة حقيقية لتحقيقها على أرض الواقع. لم يكن نزع الحجاب وحرقه مجرد احتجاج على فرضه، بل كان تحدياً للبنية الدينية الأبوية والسلطوية برمتها. ولهذا السبب، واجهنا انتفاضةً حوّلت مطالبها إلى أفعال ملموسة في الوقت الذي طرحتها فيه.

يمكن ملاحظة أمثلة مشابهة في الحركات النسوية المطالبة بحق المرأة في التصويت، أو في النضال ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة، حيث تجاوزت المطالب مجرد الشعارات وتحولت إلى عمل مباشر. ويكمن الاختلاف الجوهري لانتفاضة "jin jiyan azadî" في أن مطالبها لم تقتصر على مجرد التعبير، بل تم تطبيقها عملياً في الحياة اليومية وفي الشوارع.

منحت هذه التجربة المجتمع الإيراني نوعاً من الثقة الجماعية بالنفس؛ إيماناً بإمكانية تحقيق المطالب من خلال العمل الجماعي، وبإمكانية إجبار الحكومة على التراجع، وبإمكانية بناء التضامن حول المطالب المشتركة، متجاوزاً الاختلافات العرقية والدينية والسياسية. فعندما تتحد جميع فئات المجتمع حول مطلب مشترك، تتضاعف قدرتها على التأثير.

أعتقد أن العودة إلى هذه الأفكار الأساسية - احترام كرامة الإنسان، والمقاومة المدنية، والتضامن الاجتماعي - يمكن أن تكون حلاً اليوم أيضاً. فبعد أن مرت الجمهورية الإسلامية بأزمات عديدة، بما فيها الحرب والضغوط السياسية والاقتصادية، تواجه ظروفاً جعلت حتى جزءاً من قاعدتها الشعبية متشككاً وساخطاً. وفي مثل هذه الحالة، كلما اتسعت الفجوة بين الحكومة ومؤيديها السابقين، كلما زادت فرصة إعادة طرح مطالب المساواة والديمقراطية.

لذلك، فإن العودة إلى قيم " "jin jiyan azadîليست مجرد تذكير بشعار أو لحظة تاريخية؛ بل هي بالأحرى عودة إلى تجربة أظهرت أن الوحدة والمقاومة المدنية والتأكيد على المساواة يمكن أن تخلق قوة حقيقية للتغيير الاجتماعي.

 

مع تزايد وتيرة الأنشطة السياسية والمدنية، من مؤتمرات وندوات واجتماعات تشاورية، كيف تقيّمون حضور المرأة داخل هذه المحافل؟ وما أهمية أن يكون للنساء دور فاعل ومؤثر في هذه الهياكل، وما الانعكاسات المحتملة لهذا الحضور على المسارات السياسية والاجتماعية المستقبلية في إيران؟

عند النظر إلى تأثير انتفاضة "jin jiyan azadi" نجد أن أحد أهم الاختلافات في بنية المعارضة هو الدور والمكانة البارزين للمرأة. ففي هذه الحركة، لم تكن المرأة مجرد حاضرة، بل كانت في كثير من الأحيان رائدة وقائدة، مما دفع معارضي الجمهورية الإسلامية إلى إيلاء اهتمام أكبر من ذي قبل لضرورة إسماع صوت المرأة.

إلى جانب هذا التطور، تجدر الإشارة إلى أن بعض الجماعات والحركات السياسية قد أشركت النساء في هياكل صنع القرار ومجالسها المركزية وهيئاتها القيادية لسنوات. إلا أن حركة "jin jiyan azadî" تجاوزت مستوى الحضور الرمزي وحوّلت هذه القضية إلى مطلب شعبي؛ مطلب يؤكد على المشاركة الحقيقية للمرأة في العمليات السياسية وصنع القرار.

اليوم، بات من النادر الحديث عن مستقبل إيران دون أن يكون دور المرأة ومطالبها محور النقاش. وهذا أحد أهم التغييرات التي أحدثتها حركة "jin jiyan azadî" في الساحة السياسية الإيرانية.